الغزالي
38
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ « 1 » فخرجت وقلت : من يدلني على امرأة سألتني مسألة ؟ والصبيان يقولون : جنّ أبو هريرة ، حتى أدركتها وأخبرتها بذلك ، فشهقت شهقة من السرور وقالت : إن لي حديقة جعلتها صدقة للّه ورسوله . حكاية : عن عتبة الغلام رحمه اللّه تعالى ، وكان من أهل الفسق والفجور ، مشهورا بالفساد ، وشرب الخمر ، فدخل يوما في مجلس الحسن البصري وهو يقرأ في تفسير قوله تعالى : أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ « 2 » يعني ألم يجيء وقت تخاف قلوبهم ؟ فوعظ الشيخ في تفسيره هذه الآية وعظا بليغا حتى أبكى الناس ، فقام من بينهم شاب فقال : يا تقيّ المؤمنين ، أيقبل اللّه تعالى الفاسق الفاجر مثلي إذا تاب ؟ فقال الشيخ : نعم يقبل اللّه توبة فسقك وفجورك . فلما سمع عتبة الغلام هذا الكلام اصفرّ وجهه ، وارتعدت فرائصه فصاح صيحة ، فخرّ مغشيّا عليه . فلما أفاق دنا منه الحسن وقال الأبيات : أيا شبّا لرب العرش عاصي * أتدري ما جزاء ذوي المعاصي سعير للعصاة لها زفير * وغيظ يوم يؤخذ بالنواصي فإن تصبر على النيران فاعصه * وإلا كن عن العصيان قاصي وفيما قد كسبت من الخطايا * رهنت النفس فاجهد في الخلاص فصاح عتبة صيحة عظيمة ، وخرّ مغشيا عليه . فلما أفاق قال : يا شيخ هل يقبل الرب الرحيم توبة مثلي اللئيم ؟ فقال الشيخ : هل يقبل توبة العبد الجافي إلا الرب المعافي ؟ ثم رفع رأسه ودعا ثلاث دعوات : الأولى قال : إلهي إن كنت قبلت توبتي ، وغفرت ذنوبي فأكرمني بالفهم ، والحفظ حتى أحفظ كلّ ما سمعت من العلم والقرآن ، والثانية قال : إلهي أكرمني بحسن الصوت ، حتى إنّ كلّ من سمع قراءتي يزداد رقة في قلبه ، وإن كان قاسي القلب ، والثالثة قال : إلهي أكرمني بالرزق الحلال ، وارزقني من حيث لا أحتسب . فاستجاب اللّه جميع دعائه حتى زاد فهمه وحفظه ، وكان إذا قرأ القرآن تاب كلّ من سمع قراءته ، وكان يوضع في بيته كل يوم قصعة من المرق ، ورغيفان ، ولا
--> ( 1 ) سورة الفرقان ، الآية : 68 - 70 . ( 2 ) سورة الحديد ، الآية : 16 .